معظم الأفكار والنقاشات المتعلقة بالحريات والتنوع والمساواة والتعددية والتسامح وغيرها ليس لها أرض خصبة في السعودية، وهي مفاهيم تشكو الغربة على أرض الواقع، سواء في دائرة السلطة التي لا تقبل حتى ببناء مسجد في مكان مختلط كالدمام أو الخبر فضلاً عن أن تكفّ عن سياسة التمييز الطائفي كنهج استمرت عليه منذ تأسيسها؛ أو على الصعيد الشعبي العام، خاصة في الأوساط النجدية وبشكل أخص السلفية، وهي أوساط قريبة من حريم السلطة، بل تمثل بيئتها الإجتماعية. ومع ذلك، فمثقفو الشيعة هم أكثر من يتداول هذه المفاهيم والتنظير لها بالقياس الى كل النخب المناطقية والمذهبية الأخرى.
يبدو أن هذه المفاهيم لم يحن حينها لتؤتي أكلها. فالوضع السياسي غير مهيّء، ولا يمكن تهيئته عبر طريق الترويج لهذه المفاهيم، التي صارت معروفة وتقال أحياناً بلا مناسبة، ولكن لا تمارس على أرض الواقع، ويستخدمها المستبدّ من رموز النظام أو الطائفي أو حتى المناطقي والجاهل وغيره.
هناك بلدان عربية حققت اختراقات سياسية، تجد في مثل هذه المفاهيم دواءً لها، كالعراق أو لبنان مثلاً. ولا يعني قبول تنظيرنا لها من قبل تلك الأوساط دلالة على صحّة المسار السياسي لمروجها في بلد كالسعودية.
ذلك أن الترويج لفكرة لا يمثل سوى مرحلة، وهدف الترويج إيصالها الى المتلقي العادي من الشعب. وليس المقصود النظام ورموزه، فهؤلاء لا تمثل لهم المفاهيم المتسامحة والحرّة شيئاً ذا معنى، إذ تركوا من أراد ليتغني بها، بمعزل عن تطبيقاتها او الزاميتها لهم.
ليست مشكلة الجمهور المسعود في الجملة، ولا غيره من الشعوب، جهله بهذه المفاهيم وعدم رغبته فيها.. بل المشكلة في تطبيقها، أي فيما هو أبعد من الترويج لها ولقيمتها بدون ربطها بالواقع السياسي القائم.
هذه المفاهيم يفترض أن تكون أداة من أدوات النضال ضد النظام السياسي السعودي المستبد. أي أنها البديل للمفاهيم التي يقوم عليها أسّ النظام. لكنها في بلدنا تعيش بمعزل عن النضال، وكأن مفعولها النضالي قد سحب منها، بل أن البعض حاول مواءمتها بأفكار السلطة نفسها، فأضحت ضئيلة التأثير إن لم تكن عديمة التأثير على الوضع السياسي.
لا يكفي التغنّي بالمفاهيم، بل ممارستها كأدوات نضالية على الأرض. فهكذا تسترد الحقوق. المفاهيم قد تلعب دوراً في هذا، أي في حشد الناس لممارسة حقوقهم على الأرض ضمن مشروع سياسي، بحيث يمارسون بعضاً من تلك المفاهيم في المقاومة، كالتظاهر والتجمع وممارسة كل الحقوق المدنية، أياً كانت الكلفة.
أما أن يصبح النظام رائداً للحوار الوطني، ويمتدح شخص مثل محمد بن فهد على عبقريته!، ويتربّى لدينا نشطاء حقوقيون نظرياً دون تطبيق، أي دون الدفاع عن المعتقلين رغم توفر الأدوات والوسائل نظرياً.. فهذا يمثل خلطة غريبة لا علاقة لها كثيراً بالمشاريع السياسية.
المشروع السياسي يتغيّا عملاً على الأرض. وطرح المفاهيم مجرد عمل مثقفين، إن لم يتحول الى عمل سياسي مباشر في مواجهة السلطة ودفعها للقبول بتلك المفاهيم المدّعاة.